أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

329

الكامل في اللغة والأدب

للموت عندي أياد لست أنكرها * أحيا سرورا وبي مما أتى ألم وهذه المرثية ليست مما تقع مع الجزع القراح « 1 » والحزن المفرد ، ولكنه باب للمراثي يجمع إفراط الجزع وحسن الاقتصاد ، والميل إلى التشكي والركون إلى التعزّي ، وقول من كان له واعظ من نفسه أو مذكّر من ربه ومن غلبت عليه الجساوة « 2 » ، وكان طبعه إلى القساوة فقد اختلط كلّ بكلّ . وقال رجل من المحدثين يرثي أخاه : تجلّ رزيّات وتعرو مصائب * ولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر لقد عركتنا للزمان ملمّة * أذمّت « 3 » بمحمود الجلادة والصبر فهذا يحسن من قائله ، أن الرزء كان جليلا بإجماع ، فللقائل أن يتفسّح في القول فيه . وهذا يقوله عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ، وكان عبد الرحيم من جلّة أهله لسنا ونعمة وسنّا وولاية ، ومات معزولا عن اليمن في حبس الخليفة . وأمّ جعفر بن سليمان أمّ حسن بنت جعفر بن حسن بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم ، فلذلك يقول عبد العزيز في هذه القصيدة : بموتك يا عبد الرحيم بن جعفر * تفاحش صدع الدين عن الأم الكسر فيا ابن النبيّ المصطفى وابن بنته * ويا ابن عليّ والفواطم والحبر ويا ابن اختيار اللّه من آل آدم * أبا فأبا طهرا يؤدّي إلى طهر ويا ابن سليمان الذي كان ملجأ * لمن ضاقت الدنيا به من بني فهر ومن ملأ الدنيا سماحا ونائلا * وروّى حجيجا بالملمعة « 4 » القفر لعزّ بما قد نالنا من رزيئة * بموتك محبوسا على صاحب القبر

--> ( 1 ) القراح : الخالص . ( 2 ) الجساوة : اسم من قوله جسا جسوا : إذا صلب . ( 3 ) أذمت : أعيت وأقعدت من كان ذا صبر وتجلد . ( 4 ) الملمعة : بكسر الميم الفلاة يلمع فيها السراب .